أبو نصر الفارابي

151

آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها

وقوم رأوا أن الارتباط هو بالايمان والتحالف والتعاهد على ما يعطيه كل انسان من نفسه ، ولا ينافر الباقين ولا يخاذلهم ، وتكون أيديهم واحدة في أن يغلبوا غيرهم ، وأن يدفعوا عن أنفسهم غلبة غيرهم لهم « 1 » . وآخرون رأوا أن الارتباط هو بتشابه الخلق والشيم الطبيعية ، والاشتراك في اللغة واللسان ؛ وأن التباين يباين هذه . وهذا هو لكل أمّة . فينبغي أن يكونوا فيما بينهم متحابين ومنافرين لمن سواهم ؛ فإن الأمم إنما تتباين بهذه الثلاث « 2 » . وآخرون رأوا أن الارتباط هو بالاشتراك في المنزل ، ثم الاشتراك في المساكن ، وان أخصّهم هو بالاشتراك في المنزل ، ثم الاشتراك في السكة ، ثم الاشتراك في المحلّة . فلذلك يتواسون بالجار ، فإن الجار هو المشارك في السكة وفي المحلة ؛ ثم الاشتراك في المدينة ، ثم الاشتراك في الصقع الذي فيه المدينة « 3 » . وهاهنا أيضا أشياء يظن أنه ينبغي أن يكون لها ارتباط جزئي بين جماعة يسيرة وبين نفر وبين اثنين ، منها طول التلاقي ، ومنها الاشتراك في طعام يؤكل ، وشراب يشرب ، ومنها الاشتراك في الصنائع ، ومنها الاشتراك في شرّ يدهمهم ، وخاصة متى كان نوع الشرّ واحدا وتلاقوا ، فإن بعضهم يكون سلوة بعض . ومنها الاشتراك في لذّة ما ، ومنها الاشتراك في الأمكنة التي لا يؤمن فيها أن يحتاج كل واحد إلى الآخر ، مثل الترافق في السفر

--> ( 1 ) الاجتماع يقوم على التعاهد . ( 2 ) الاجتماع يقوم على تشابه الخلق والشيم واللغة . ( 3 ) الاجتماع يقوم على الاشتراك في الوطن .